كريم نجيب الأغر

58

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ومن صفات هذا الطين أيضا أنه منتن . عن ابن عباس ومجاهد : أن الحمأ المسنون هو المنتن « 1 » . جاء في لسان العرب : « والمسنون : المنتن » « 2 » . ومن صفات هذه المادة أنها ليّنة بحيث نستطيع أن نصقلها صقلا ، وأن نلمسها بسهولة لكي نصوّرها . جاء في لسان العرب : « المسنون : المصقول من سننته بالمسنّ سنّا ، إذا مرّرته على المسن ، . . . والمسنون المصور وقد سننته أسنّه إذا صوّرته ، المسنون المملس . . . وسنّ عليه الماء صبه وقيل أرسله إرسالا ليّنا ، . . . والسنّ الصب في سهولة » « 3 » . والآن بعد أن سردنا عناصر هذه المادة وصفاتها ، نأتي إلى الحديث عن شروط عملية التكوين هذه التي وضعها سبحانه وتعالى . نستخلص أول شرط من الآية الكريمة التالية : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن : 14 ] ، أي خلق أباكم آدم من طين يابس يسمع له صلصلة ، أي : صوت « 4 » . فإذا كان التراب معجونا بالماء كما أسلفنا القول فكيف يذكر الآن أنه يابس ؟ . الجواب هو أن هذا الطين تعرض للحرارة حتى جف ، والدليل على ذلك قوله تعالى : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ، فالفخار يستلزم حرارة عالية ليصبح على ما هو عليه « 5 » .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير - تفسير سورة الحجر - ( ج 2 / ص 550 ) . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « سنن » - ( ج 6 / ص 401 ) . ( 3 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « سنن » - ( ج 6 / ص 395 ) . ( 4 ) صفوة التفاسير - تفسير سورة الرحمن - ( ج 3 / ص 295 ) . ( 5 ) ومما يشير إلى أن الطين تعرّض لحرارة عالية هو ما جاء في تفسير أبي السعود - ( ج 5 / ص 239 ) : « وَجَدَها أي الشمس ، تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي ذات حمأة ، وهي الطين الأسود من حمئت البئر إذا كثرت حمأتها ، وقرئ حامية أي حارّة . روي أن معاوية قرأ ( حامية ) وعنده ابن عباس رضي اللّه عنهما فقال : ( حمئة ) ، فقال معاوية لعبد اللّه بن عمرو بن العاص : كيف تقرأ ؟ قال : كما يقرأ أمير المؤمنين ، ثم وجه إلى كعب الأحبار : كيف تجد الشمس تغرب ؟ قال : في ماء وطين . وروي في ثأط فوافق قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وليس بينهما منافاة قطعية لجواز كون العين جامعة بين الوصفين » .